البيان الختامي للهيئة العمومية الثانية من الدورة التاسعة لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا

اسطنبول، 16 ـ 19 جمادى الثاني 1432 هـ، الموافق 19 ـ 22 مايو 2011 م

 

انعقدت الهيئة العمومية الثانية من الدورة التاسعة، لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، بعون الله وتوفيقه، خلال الأيام من 16 وحتى 19 جمادى الثاني 1432 هـ، الموافق 19 وحتى 22 مايو 2011م في مدينة اسطنبول.

والتأمت الهيئة في اجتماعها العادي هذا، بمشاركة قيادة الاتحاد وممثلي المؤسسات الأعضاء في معظم الأقطار الأوروبية، وبحضور عدد من الضيوف الكرام الذين أثروا جلساتها.

وقد تدارست الهيئة آفاق عمل الاتحاد خلال دورته من 2010 وحتى 2014، كما تباحثت في أداء الاتحاد وهيئاته ومؤسساته، آملة أنّ تكون المنجزات المتحققة دافعاً لمزيد من تطوير الجهود والمبادرات الإيجابية.

وتداولت الهيئةُ الأوضاعَ الأوروبيّة وشؤون المسلمين في هذه القارة وما يتّصل بذلك من اهتمامات ومسائل. كما تباحثت الهيئة في كيفية توسيع الاتحاد دائرة التعاون والتنسيق مع شركاء المواطنة في أوروبا، مع تعزيز المشاركة في الحوار المجتمعي، ومواصلة السعي لخدمة مصالح المسلمين في عموم القارّة الأوروبية والصالح العام لمجتمعات أوروبا وبلدانها. كما أكدت الهيئة أهمية تنمية الموارد البشرية وإمكانات الاتحاد ومؤسساته.

وقد افتقدت الهيئة عدداً من الروّاد في حقل العمل الإسلامي الأوروبي، الذين ارتحلوا في الآونة الأخيرة من الدنيا الفانية إلى دار البقاء، تاركين بصمات إيجابية لا تخطئها العين في مجالات حميدة متعدِّدة، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله بإذنه تعالى. وتستذكر الهيئة بكثير من العرفان، الدورَ التأسيسيَّ والتوجيهيَّ الذي وقف به فضيلة الشيخ المستشار الدكتور فيصل مولوي، إلى جانبِ الاتحاد وعددٍ من المؤسسات الإسلامية الأوروبية، فاضطلع بمكانةٍ استشاريّة متقدِّمة، وساهم في التعريف بهُدَى الإسلام وإبراز نهجِ الوسطية، وتقديمِ معالجاتٍ شرعيةٍ في التعامل الحصيف مع الواقعِ الأوروبيِّ وتعزيز التواصل الإيجابي والمواطنة.

وخلصت الهيئة العمومية في ختام أعمالها، إلى التوجيهات والتوصيات التالية:

  1. تحثّ الهيئةُ المسلمين في أوروبا، على التمسّك بمبادئ الدين الإسلامي وتعاليمه، وأن يجسِّدوا في حياتهم اليومية المواطنةَ الصالحة والأسوة الحسنة، وأن يعبِّروا أحسن تعبير عن روح التواصل الإيجابي والأخلاق الكريمة، مع المساهمة الفعّالة في خدمة مجتمعاتهم والسعي إلى ازدهارها.
  2. تتوجّه الهيئة إلى المسلمين في أوروبا، تجمّعاتٍ ومؤسساتٍ وأفراداً، داعية إلى مواصلة تكاتف الجهود الخيِّرة وتطوير الأداء في شتى جوانبه، استنهاضاً لواقعهم، وخدمةً للصالح العام للمجتمعات والبلدان الأوروبية، مع الحرص على تكاتف كافة الجهود تجسيداً لمبدأ التعاون على البرّ والتقوى.
  3. تؤكِّد الهيئة أهمية توجّه المؤسسات الإسلامية الأوروبية إلى استيعاب الشبّان والشابات في شتى مجالات العمل ومراتبه، بما فيها المستويات القيادية. وتشجِّع الهيئة على إطلاق الفرص أمام الشباب وتوجيه قسط وافر من الجهود لرعاية احتياجات الأجيال الصاعدة وما تتطلّبه من مشروعات وبرامج وجهود حثيثة.
  4. تعبِّر الهيئة عن الاعتزاز بقيمة التنوّع في الواقع الأوروبي، الذي يشكِّل المسلمون مكوِّناً من مكوِّناته التعدّدية المتضافرة، وتحثّ على تطوير العمل المشترك مع مكوِّنات المجتمع، وتعزيز التضامن والتفاهم المتبادل، لصيانة القيم الإنسانية للمجتمعات الأوروبية والمبادئ الدستورية، وعدم الاستجابة إلى أصوات التطرّف ومواقف الشقاق.
  5. تُبدي الهيئة انزعاجها من بعض القوانين والإجراءات التي من شأنها التضييق على حرية الممارسة الدينية للمسلمين، وبالأخصّ ما يتعلّق بالنساء والفتيات. وتطالب الهيئة بمراجعة ذلك واستدراك الخلل، والتحقّق المستمرّ من استيفاء معايير حقوق الإنسان والحرِّيّات الأساسية، علاوة على ضمان المساواة وتكافؤ الفرص ومكافحة التمييز.
  6. تنظر الهيئة بقلق إلى صعود أصوات التطرّف السياسي في عدد من الدول الأوروبية، التي تمارس التحريض والتشويه وإثارة الهلع ضد شركاء المواطنة من المسلمين، وترويجها لخطاب الكراهية، خاصة في المواسم الانتخابية، لإثارة الضغائن والأحقاد وشقّ صفوف المجتمع الواحد. وتدعو الهيئة الجميع، من سلطات وهيئات ووسائل إعلام ومسؤولين ومثقفين وقيادات دينية وجمعيات حقوقية ومؤسسات مدنية، إلى معالجة هذه الظاهرة وتعزيز التضامن والتفاهم المتبادل، لصيانة القيم الإنسانية للمجتمعات الأوروبية والمبادئ الدستورية.
  7. تتقدّم الهيئة بالتهنئة إلى الشعوب العربية التي تقدّمت لطيّ صفحة الاستبداد، وأظهرت شجاعة يُحتذى بها في امتلاك زمام أمرها بجدارة، إدراكاً منها بأنّ المستقبل المُشرِق لا يكون إلاّ في مناخ الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، وبضمان احترام إرادة الشعب وصون كرامته. كما تُعرِب الهيئةُ عن التضامن الأخوي مع الشعوب التي تواجه الاضطهاد والاستبداد، وتدين كافة الانتهاكات وأعمال القتل التي تجري بحقها لمجرّد مطالبتها بالحرية والإصلاح وحقوقها الأساسية، مع الإشارة بصفة خاصّة إلى الانتهاكات الجارية بحق المواطنين العزّل في سورية وليبيا واليمن.
  8. تلفت الهيئةُ الانتباهَ إلى خطورة المظالم والافتقار إلى الحكم الصالح، وكذلك حالة الحرمان وسوء توزيع الموارد، وهو ما يستدعي مقاربة شاملة تحقِّق الإصلاح والازدهار، والكفّ عن أساليب القمع والاضطهاد والقيود ضد الشعوب. وتأمل الهيئة أن يتحقّق للشعوب العربية والإسلامية والإنسانية بأسرها، الأمنُ والأمان، وأن تُحقَن دماء أبنائها وبناتها، وأن تطوَى إلى الأبد صفحات الاستبداد، وأن يضمن الجميع وَحدة الصف ومشاركة جميع الفئات في تشكيل حاضر الأمّة ومستقبل نهضتها، في مناخ الحرِّية والعدل والمساواة.
  9. تُعرب الهيئة عن القلق البالغ لأوضاع مدينة القدس وانتهاك الاحتلال الإسرائيلي ومجموعاته المتعصِّبة، لحرمة المسجد الأقصى المبارك، كما تتضامنُ مع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وسياساته الجائرة، وتطالب بتمكينه من استعادة حقوقه السليبة وتحقيق مطالبه المشروعة، بما فيها تقرير المصير والاستقلال والسيادة على أرضه وموارده، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم التي هُجَّروا منها.
  10. تلحظ الهيئةُ تفاعلاتِ الأزمة الاقتصادية في بعض البلدان الأوروبية، بكلّ ما يترتّب عليها من أعباء على المواطنين، وترى الهيئة أنها مدعاةٌ لمضاعفة الجهود في حقول الرعاية ومجال التضامن الاجتماعي. ولا ينبغي لاحتواء الأزمة أن يجري على حساب الفئات الأضعف أو فرص الأجيال الجديدة في الرعاية والتعليم والعمل. كما تنبِّه الهيئة أيضاً؛ إلى أهمية صوْن الأسرة في هذه المرحلة الصعبة، فالأسرة لا ينبغي أن تدفع الثمن وتتكبّد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
  11. تحثّ الهيئةُ كافةَ المؤسسات والمراكز الإسلامية في أوروبا، في هذا العام (2011)، على مضاعفة الجهود وتطوير الخدمات التطوّعية في شتى المجالات الحميدة، وذلك بمناسبة السنة الأوروبية للعمل التطوّعي، مع تمثّل القيم الإسلامية والإنسانية التي تحضّ على ذلك وتعميقها في الواقع العملي.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين،

 

اسطنبول، في 19 جمادى الثاني 1432 هـ

مـوافـق 22 مايو 2011 م

 

اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا

الهيئـة العمـومية

رسالة من رئيس الاتحاد في وداع الأستاذ الكبير فضيلة الشيخ المستشار فيصل مولوي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رسالةٌ من رئيس “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا”

في وداع الأستاذ الكبير فضيلة الشيخ المستشار فيصل مولوي

 

فقدت الأمّةُ الإسلاميةُ والأسرةُ الإنسانية، عَلَماً بارزاً وقامةً شامخة، بارتحالِ الأستاذ الكبير، فضيلة العلامة المستشار فيصل مولوي، من دنيانا الفانية إلى دار البقاء.

لقد كان الفقيد الكبير، يرحمه الله رحمة واسعة، وعلى مدى عقود ممتدّة من الزمن، رائداً نادراً من نوعه؛ حاضراً في صدارة ميادين العلم والفكر، الدعوة والتربية، التوجيه والترشيد، العمل والمؤسسات.

وقد عرفه مسلمو أوروبا عن قُربٍ بمساهمته الفعّالة في التعريف بهدى الإسلام وإبراز نهج الوسطية، وتقديم معالجاتٍ شرعيةٍ في التعامل الحصيف مع الواقع الأوروبي ومسائله المتشابكة. وقد تعلّم على يديه جيلٌ من قادة العمل الإسلامي في أوروبا معانيَ التفاني والمثابرة، والمُضِيَّ على دروب الأنبياء والصالحين على بصيرة، والسعيَ لتجسيدِ قيمِ الإسلام وتعاليمه في الحياة اليومية، والحرصَ على الخير للنّاسِ كلِّ الناس.

تشهد له أعمالُه الوفيرة المنشورة، وبحوثه ودراساته التي لم تنضب، علاوة على طائفةٍ واسعةٍ من المحاضرات والدروس الموزّعة بين محطات متباعدة في الغرب والشرق. وقد أمعن فقيدُنا النظَرَ في المسائل المُستجدّة المتعلِّقة بحياة المسلمين في البلاد الأوروبية والأدوار المنتظرة منهم، فكان من السابقين للمشاركةِ في ندواتٍ شرعيّة وفقهية عُقدت في جنبات أوروبا، ثمّ واصل عطاءَه مع لفيف من العلماء عبر دوره الفاعل في “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” منذ أن تشكّل عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين (1997).

وإننا في “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا”، نستذكر بكثير من العرفان، الدورَ التوجيهيَّ الذي وقف به الشيخ المستشار فيصل مولوي، إلى جانب الاتحاد وعدد من المؤسسات الإسلامية الأوروبية، فاضطلع بمكانةٍ استشاريّة متقدِّمة، وساهم في التسديد والمقاربة خلال المحطّات التاريخية المفصلية من مسيرة مسلمي أوروبا. كما رأس لجاناً متخصّصة أوكلت إليها مسؤوليات النظر في مسائل هامّة، وتقدير المواقف وإنضاج الحلول والإصلاح الاجتماعي.

لقد ترك العلاّمةُ والأستاذ الراحل، بصماتٍ مباركةٍ لا تُخطِئها عينٌ في واقع مسلمي أوروبا، منذ أن أقام في هذه القارّة أعواماً عدّة، كان خلالها بسيرته العَطِرة الأخَ الكبير، والمربِّي الحاني، والمُوَجِّهَ على بصيرة. بل كان له دورُه الملموس في في نهوض المؤسّسات الفاعلة في فرنسا بخاصّة وأوروبا بعامّة، وتشكيل “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا”، والمساهمة في إنضاج رؤى العمل من مرحلة مباركةٍ إلى أخرى.

لا يرحل الروّاد، فهم باقون بيننا بسيرتهم العطرة، وهم أحياء في عالمنا بأعمالهم الناصعة ومآثرهم النبيلة. سنظلّ أوفياء للفقيد الكبير، بمواصلة المسيرة ومتابعة الأداء، وسنحرص على إطلاق اسم الفقيد الكبير على مشروعات وبرامج فاعلة، ومنشآتٍ ومبرّات مُنيرة في عموم أوروبا، لتُدرِك الأجيالُ الجديدة ما لهذا الرجل الكبير من مآثر منثورة في مجالات عدّة، وأيادٍ بيضاء في حقول متنوِّعة، عرفاناً بالجميل، وتشجيعاً للتأسِّي وتحفيزاً للاقتداء.

نسأل الله العليَّ القدير، أن يتغمّد فقيدَنا الكبير بواسع رحمته، ويُسكِنَه فسيحَ جنّاته، وأن يجمعنا وإيّاه في مستقرّ رحمته، بصحبة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والأنبياء والصديقين والشهداء، وحَسُن أولئك رفيقاً. ونسأله تبارك وتعالى، أن يُجزِل له الأجر والمثوبة عن هذه المسيرة الممتدة، الشاهدةِ بالعطاء الثرّ، والعِلم والعمَل؛ المسيرةِ الذي تفيء على الأجيال بما يُعينها على صلاحِ الدنيا والآخرة. وإنّا على فراقه لمَحزونون. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

 

بروكسيل ـ طرابلس (لبنان)، 6 جمادى الثاني 1432 هـ، موافق 9 مايو 2011.

 

شكيب بن مخلوف

رئيس “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا