عشرون ألف حاج بريطاني إلى بيت الله الحرام هذا العام

أفادت معطيات رسمية بريطانية، أنّ عدد حجاج بيت الله الحرام من المواطنين البريطانيين، يبلغ هذا العام قرابة عشرين ألف حاج وحاجّة.

وأوضحت وزارة الخارجية البريطانية، الثلاثاء (11/10)، كما جاء عبر مركزها الإعلامي، أنّ نحو عشرين ألف بريطاني يعتزمون أداء فريضة الحج هذا العام ما بين الرابع والتاسع من نوفمبر.

وحثّت الوزارة المواطنين البريطانيين الذين يعتزمون السفر لأداء فريضة الحج هذا العام، على أن يراعوا اتخاذ الاستعدادات وأن يتبعوا النصائح الخاصة بالسفر، بما في ذلك الحصول على تأمين وثيقة سفر شاملة باللغة الانجليزية وأخذ اللقاحات الضرورية قبل قيامهم بالرحلة، حيث يفرض على المسافرين إلى الحج الحصول على شهادة تطعيم ضد التهاب السحايا كشرط للحصول على تأشيرة حجّ.

وأوصت الوزارة بشدّة بأخذ لقاح الأنفلونزا الموسمي قبيل الشروع بالسفر. كما قالت إنه يتوجّب أخذ آخر نصائح السفر المقدَّمة من وزارة الخارجية بشأن الوضع في المملكة العربية السعودية

وذكرت وزارة الخارجية أنها ستقدِّم كافة الخدمات القنصلية وسترسل بعثة من الموظفين القنصليين، مشيرة إلى أنّ معظم الحالات التي عالجتها بعثة الحج في العام الماضي تمثلت في استبدال وثائق سفر.ودعت الوزارة الحجّاج إلى أن يحرصوا على المحافظة على مقتنياتهم الشخصية وأن يولوا عناية خاصة لوثائق السفر والتذاكر والأشياء القيِّمة الأخرى.

الاتحاد: منح جوائز نوبل لقيادات نسائية شجاعة فرصة لمعالجة الصور النمطية

يرحِّب “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا”، باللفتة التقديرية التي عبّر عنها الإعلان عن منح جوائز نوبل للسلام، لقيادات نسائية شجاعة، بذلت جهوداً وتضحيات جليلة انتصاراً للحقوق والعدالة والقيم الإنسانية.

ويثمِّن الاتحاد تكريم قيادات نسائية كافحن لأجل الحقوق والعدالة وحرِّيات الشعوب، أو أدّين أدواراً مميّزة في تحقيق التفاهم وطيّ النزاعات في مجتمعات متنوِّعة دينياً وإثنياً. ولا شكّ أنّ عالم اليوم بحاجة لإبراز الإسهامات الهائلة التي تقدِّمها النساء والفتيات في خدمة مجتمعاتهن والإنسانية جمعاء، بما في ذلك النساء والفتيات المسلمات اللواتي كثيراً ما تُقدّم عنهنّ تصوّرات مشوّهة وصور نمطية سلبية غير مُنصِفة.

ويرى “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا” في اختيار القيادية اليمنيّة توكّل كرمان، إشارة استحقاق للحضور الكبير الذي بذلته النساء والشابّات في العالم العربي، ضمن حراك شعبي ومجتمعي عارم شاركت فيه شتى الفئات والشرائح، من أجل مكافحة الاستبداد ومناهضة الظلم، ولتدشين عهود الحرية والمشاركة الشعبية واحترام كرامة الإنسان. كما أنّ هذا الاختيار يعبِّر عن إشارة إنصاف لثورات الحرية التي خاضتها الشعوب العربية وما زالت تخوضها بعزيمة وإصرار، سعياً لتحقيق هذه الأهداف المشروعة.

لقد شهد اليمن عبر ثماية شهور مضت حراكاً شعبياً سلمياً واسع النطاق، أظهر تصميماً قلّ نظيره، على تحقيق الحرية والديمقراطية والمشاركة الشعبية الشفّافة وبناء مستقبل أفضل. وقد برز عبر ذلك، الوجهُ الحضاري الأصيل لشعب اليمن، بنسائه ورجاله ومن شتى الأجيال، بما أثار إعجاب العالم وتقديره. ويجدِّد الاتحاد في هذه المناسبة، إعرابه عن الأمل، بأن تتحقّق مطالب الشعب اليمني في أسرع وقت، وأن تسود في أرجاء العالم العربي والإسلامي أجمع، الحريةُ والديمقراطية والعدالة والتعايش السلمي، واحترام إرادة الشعوب وصون كرامة الإنسان وحقن دماء المواطنين كافة.

 

بروكسيل، 13 ذو القعدة 1432 هـ

موافــق 11 أكتوبر 2011 م

 

اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا

استوكهولم: “المؤتمر الثاني للأئمة” يؤكد أهمية الإمام في الحياة السويدية

نظّم المجلس السويدي للأئمة، المؤتمر الثاني للأئمة والمرشدين، يومي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من سبتمبر 2011، بمشاركة أكثر من خمسين إماماً ومرشداً من أنحاء السويد.

وأقيمت فعاليات المؤتمر في مسجد استوكهولم الكبير، وشارك فيها أكثر من خمسين إماماً ومرشداً قدموا من مختلف المدن السويدية، ويمثلون العديد من المساجد والمراكز الإسلامية وينتمون إلى مدارس فكرية ومذاهب فقهية متعددة.

وقد استعرض المؤتمر الخطة العامة للمجلس، وتضمّنت أعماله محاضرات ومداخلات وكلمات ألقاها كل من الشيخ الدكتور حسين حلاوة من إيرلندا، والأستاذ الدكتور أنيس الراوي من السويد، والشيخ خالد الديب من مصر، والمحامية ربى عزام. وتناول المحاضرون موضوعات منها مواصفات الإمام ودوره في المجتمع، والفتوى: شروطها وآلياتها، وقانون الأحوال الشخصية السويدي.

وبعد المداولات والنقاش المعمّق بشأن القضايا المطروحة خلص المؤتمرون إلى مقرّرات وتوصيات؛ أكدوا فيها دور الإمام في تعليم المسلمين وتوجيههم وإرشادهم ليكونوا مواطنين صالحين ومساعدتهم على حلّ مشكلاتهم، ما يحتم على الإمام التحلِّي بالقيم السامية وأن يكون قدوة ومثالاً يُحتذى به.

وأكيد المؤتمر دور الإمام باعتباره عنصراً فاعلاً في المجتمع؛ يدعم السلم الأهلي وينشر قيم الخير والتسامح والتعاون والتعايش بين جميع الفئات. وجاء في التوصيات أيضاً “ضرورة السعي الحثيث لبعث مؤسسة لتكوين الأئمة والمرشدين في السويد بالتعاون بين المؤسسات الإسلامية”.

واستنكر المؤتمر الثاني للأئمة والمرشدين في السويد الجريمة الإرهابية التي وقعت في النرويج يوم الثاني والعشرين من يوليو، والتي أودت بحياة العشرات من الأبرياء، وتمّ تأكيد أنّ “العنف والتطرف ليس لهما دين ولا بلد معيّن، ويجب تضافر جهود الجميع للتصدِّي لهما والوقاية منهما”.

كما استنكر المؤتمر “الاعتقالات والمداهمات التي تعرض لها العديد من المسلمين ظلماً بحجة التصدِّي للإرهاب”، ودعا السلطات المختصة للتثبت قبل انتهاك حرمة الأفراد وحقوقهم.

ومن جانب آخر؛ دعا المؤتمر المسلمين في السويد الى “المشاركة الإيجابية في مؤسسات المجتمع، واستشعار الواجب الشرعي والإنساني والوطني، مع تأكيد الحفاظ على أمن البلد واستقراره. وأكد الأئمة والمرشدون “ضرورة إعداد الشباب، جيل المستقبل، لحمل راية الإسلام وتقديمه على أحسن صورة، بالتحلِّي بأخلاقه وآدابه، والعمل بتعاليمه، وتجنّب الغلوّ والتطرّف”. وحثّ المؤتمر مسلمي السويد على “الوحدة والعمل المشترك لخدمة الوجود الإسلامي والأقلية المسلمة في السويد”.

وفي ما يتعلّق بالتطوّرات في العالم العربي؛ أعرب المؤتمر عن “مباركة الثورات التي حصلت في تونس ومصر وليبيا، والتي أرست قيم الحرية والعدل وحقوق الانسان”. ودعا المؤتمر المسلمين وكل القوى الخيِّرة في العالم لنصرة الشعوب الثائرة من أجل استرداد حقوقها المشروعة في كل من اليمن وسورية. كما دعا المؤتمر المسلمين وكافة أحرار العالم لإنهاء الاحتلال وكف الظلم والحصار المسلط على الشعب الفلسطيني.

وثمّن المؤتمر المبادرة التي أطلقها اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا لتنظيم صلاة الاستسقاء في كافة الأقطار الأوروبية وجمع التبرّعات لإغائة الشعب الصومالي، ودعوة المسلمين لمزيد من التعاون والتكافل. كما تقدّم المؤتمر بالشكر للمحاضرين لما قدموه من جهود موفقة، علاوة على شكره المؤسسات التي دعمت المؤتمر ورعته وخاصة الرابطة الإسلامية في السويد صاحبة المبادرة، ورابطة الجمعيات الاسلامية في السويد والمجلس الإسلامي ومؤسسة ابن رشد التعليمية.

الانتخابات البلدية النرويجية بين تراجع التطرف اليميني وصعود ثقل المسلمين

تقرير: إبراهيم بالكيلاني

شهدت الانتخابات البلدية النرويجية، التي جرت يوم 12 سبتمبر 2011، خسارة لليمين المتطرف، تزامن مع صعود ثقل أصوات المسلمين فيها، وخاصة في بلدية العاصمة أوسلو. وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من أنها جاءت بعد قرابة شهرين من الاعتداءات الإرهابية المروِّعة التي نفّذها يميني متطرِّف وأوقعت الكثير من الضحايا الأبرياء.

الجالية المسلمة وتحفيز المشاركة في العملية الانتخابية

تشير الاحصائيات إلى أنّ مشاركة من يوصفون بالمهاجرين في العملية الانتخابية الأخيرة لسنة 2007 لم يتجاوز 50 في المائة ممّن يحقّ لهم التصويت. وتقلّ هذه النسبة عند المسلمين، مما دفع المؤسسات الاسلامية في النرويج إلى حثّ روّادها على المشاركة الفاعلة و الانخراط في العملية السياسية لأنها البوابة الأساسية التي تلج الجالية من خلالها ساحة الفعل للمحافظة على الحقوق والمكتسبات وتنميتها، ولتغيير الصورة النمطية، ولمدّ جسور التفاعل مع كلِّ مكوِّنات المجتمع ، وسعياً للمشاركة الايجابية في بناء مستقبل للمجتمع متعدد الثقافات.

وقد خصّصت العديد من المساجد خطب الجمع لبيان الحكم الشرعي من العملية الانتخابية، وتأكيد أهمية المشاركة في الانتخابات. ونظّمت بعض الجمعيات الإسلامية حوارات متتالية مع الأحزاب السياسية منفردة أو جماعية، ونظّمت أيّاماً مفتوحة للتعرّف على برامج الأحزاب وعلى إجراءات العملية الانتخابية. و قد سعت أغلب الأحزاب السياسية إلى زيارة المساجد لتقديم رؤيتها وبرامجها وللتتواصل مع الحضور المسلم، مستمعة لهمومه ومطالبه وساعية لجذب المسلمين إلى صفوفها.

أكثر من نصف نواب حزب العمال في بلدية أوسلو من أصول مهاجرة

يمثل صوت من يوصَفون بالمهاجرين، والمسلمين منهم بالخصوص، أهمية بالغة في العديد من البلديات النرويجية، وأبرزها بلدية أوسلو. إذ يبلغ عدد الناخبين من ذوي الأصول المهاجرة ناخباً من كلِّ أربعة ناخبين في مدينة أوسلو. وقد منح المسلمون في الانتخابات البلدية سنة 2007 ، 56 في المائة من أصواتهم لحزب العمال الذي يقود الحكومة الحالية. بينما منح المسلمون 28 في المائة من أصواتها لحزب اليسار الاجتماعي المتحالف مع حزب العمال، و10 في المائة فقط لحزب المحافظين.

وإذا تمّ توزيع الناخبين على أساس الجغرافيا؛ فإنّ الذين صوّتوا لحزب العمال في الانتخابات الماضية هم 61 في المائة من أصول إفريقية و55  في المائة من أصول آسيوية، و45 في المائة من شرق أوروبا و33 في المائة من أمريكا اللاتينية . وقد بلغ عدد المصوِّتين للحزب نفسه 53 في المائة من المنحدرين من أصول غير غربية.

وقد حقّقت الحضور المسلم ارتفاعاً في المشاركة في هذه الانتخابات (2011)، خاصّة وأنّها تأتي بعد حدث دموي رهيب هزّ البلاد، تمثّل في الاعتداءات المروِّعة التي شهدتها النرويج يوم 22 يوليو الماضي، والتي كانت صنيعة التطرّف اليميني، والذي استهدف سياسة الحكومة صاحبة مشروع “مجتمع متعدد الثقافات”. ولم يَخِب أمل الأحزاب التي راهنت على أصوات من يُوصَفون بالمهاجرين،  والتي تتّجه عموماً إلى الأحزاب نفسها التي يصوِّتون لها تاريخياً؛ وهي حزب العمال وحزب اليسار الاجتماعي وبدرجة أقل حزب اليسار.

وقد بلغت نسبة المشاركة في مدينة أوسلو 65.1 في المائة في الانتخابات البلدية التي جرت يوم 12 سبتمبر 2011. وبلغت النسبة العامة في كامل البلاد 63.6 في المائة. وتشير النتائج النهائية للانتخابات إلى حصول حزب العمال على عشرين مقعداً  في المجلس البلدي لأوسلو، منها 11 مقعداً من ذوي أصول مهاجرة وأغلبهم مسلمون، ممّا يشير إلى أهمية دور الحضور المسلم في نجاح حزب العمال وتأثير المسلمين المتزايد في العملية الانتخابية. وهذه الحقيقة سوف تمنح الحضور المسلم ثقلاً انتخابياً يسعى إليه الأحزاب في كل جولة اقتراع، بينما تشير هذه النسبة أيضاً إلى دور الناخبين المسلمين في إلحاق الهزيمة باليمين المتطرف.

الانتخابات البلدية و اليمين المتطرِّف

كان أندرش بهرنغ بريفيك، الذي قام باعتداءات 22 يوليو 2011، نشطاً في جمعية شباب الحزب التقدمي خلال السنوات من 1997 وحتى 2007 ، وهو الحزب الذي يعتبره العديد من المحللين متطرِّفاً. ولهذا الحزب مواقف متطرفة تجاه المسلمين ومن يُوصَفون بالأجانب عموماً، إضافة إلى مسايرته الدائمة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي. وقد تقلد بريفيك مناصب قيادية في ذلك الإطار الشبابي، إضافة إلى عضويته في الحزب التقدمي في السنوات من 1996 وحتى 2006، ولكنّه استقال من الحزب سنة 2007  منتقداً إيّاه بأنّ سياسته تتّجه إلى الليبرالية أكثر. وقد حمّل العديد من المراقبين  الحزب التقدمي مسؤولية أدبية لظاهرة التطرّف اليميني، بينما اعتبرت قيادات في الحزب أنّ لغة خطابها الحادّة بحاجة إلى مراجعة. لذلك يعزو المراقبون تراجع الحزب في هذه الانتخابات إلى هذه الخلفية المرتبطة باعتداءات يوليو. فقد بلغت نسبة تراجع الحزب على جبهة الطلاب 7.5 في المائة مقارنة بأدائه الانتخابي في الانتخابات البرلمانية عام 2009، وقد تراجع الحزب إلى 13 في المائة فقط في هذه الانتخابات البلدية فبلغ تراجعه نسبة 5.5 في المائة. وفي المقابل؛ زاد التصويت لحزب العمال بنسبة 6.3 في المائة في قطاع الطلاب، بينما كانت نسبة الارتفاع في جميع العملية الانتخابية 2.5 في المائة، لتبلغ 33.2 في المائة في كل البلاد ، وهي أعلى نسبة يتحصّل عليها حزب العمال منذ 24 سنة، كما صرّح بذلك الأمين الأول للحزب. وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما خسره الحزب التقدمي قد ربحه حزب المحافظين الذي بلغت نسبته 25.4 في المائة، أي بارتفاع مقداره 6في المائة.

ومن الواضح أنّ الاعتداءات الإرهابية التي صدمت النرويج بأسرها قد تركت تأثيرات عميقة، فكافة الأطراف باتت تؤكد اليوم ضرورة التمسّك بقيم التنوّع والتعدّد والاحترام المتبادل. كما حضّت الاعتداءات من يوصفون بالمهاجرين، والمسلمون منهم بالخصوص، على ضرورة التحرّك السريع لقطع الطريق على اليمين المتطرف الساعي للنيل من قيم العيش المشترك. وقد تداعت مؤسسات المسلمين للعمل من أجل تحقيق مشاركة كبيرة في الانتخابات البلدية، بينما تجلّى ذلك في بلدية أوسلو الذي راهن المتنافسون في انتخاباتها على من يُوصَفون بالمهاجرين، كونهم ربع الناخبين في المدينة .

أمّا على المستوى العام للانتخابات البلدية النرويجية، فقد خسر الحزب التقدمي نسبة 7.2 في المائة مقارنة مع انتخابات 2007 البلدية، ما يعني تراجعاً كبيراً لهذا الحزب، وهو ما يمثِّل نقطة ايجابية في إطار الضغط عليه من أجل مراجعة حقيقية لمواقفه وسياسته المتحاملة على التعددية الثقافية. ولعلّ سعيه لترشيح زعيمه السابق كارل هاغن لإدارة بلدية أوسلو، قد كلّفه الشيء الكثير، ممّا دفع من يوصفون بالمهاجرين إلى مشاركة أوسع بينما شهدت الساحة السياسية تحالفات بين الأحزاب لقطع الطريق أمام  كارل هاغن الساعي لترؤُس هذه البلدية الهامّة. أمّا صعود المحافظين فقد جاء على حساب الحزب التقدمّي. وأمام حزب العمال الآن فرصة حقيقية لقيادة بلدية أوسلو إذا ما تحالف مع حزب اليسار، وبذلك يعود حزب العمال إلى ترؤّس بلدية أوسلو بعد ست عشرة سنة من هيمنة المحافظين عليها.

وفي المقابل؛ مثل تراجع حزب اليسار الاجتماعي صدمة لحليفه حزب العمل، وصدمة لقيادته أيضاً، ما حدا برئيسة الحزب كريستين هالفرشن للإعلان عن تنحِّيها في الربيع القادم (2012)، مؤكدة ضرورة أن يدخل الحزب في الانتخابات البرلمانية 2013 بقيادة جديدة، بعد قيادتها للحزب طيلة خمس عشرة سنة. وربّما تشهد أحزاب أخرى تغييرات جوهرية في قيادتها ومراجعة لخطابها وبرامجها، وببقى أبرزها هو الحزب الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات؛ أي الحزب التقدمي الذي بلغت نسبة تراجعه في كل البلاد 6.1 في المائة.

عن تطوّر الوجود المسلم الجديد في أوروبا

الأستاذ أحمد الراوي

بالعودة إلى أواسط القرن العشرين؛ يتّضح أنّ الوجود المسلم الحديث في أوروبا نشأ ضمن مجتمعات كلِّ بلد على حدة، وارتبطت قصّة النشأة تلك بحالة كلِّ بلد أوروبي، رغم وجود ملامح مشتركة لتجربة نشأة الحضور المسلم بين بعض البلدان الأوروبية في هذا الشأن.

وقد تبلوَر الوجود المسلم أساساً وفق محدِّدات الفضاء الداخلي للدولة القُطرية الأوروبية. ويمكن في هذا الصدد ملاحظات التباينات الواضحة والتمايزات الملموسة بين الشكل العام لتجربة النشأة والتبلوُر التي طبعت الوجود المسلم في بريطانيا وفرنسا والسويد وإيطاليا، على سبيل المثال لا الحصر. فالحضور المسلم في كل دولة منها تأثر بظروف وملابسات غير متطابقة مع نظيراتها من الدول، حتى مع الملامح المشتركة التي لا يمكن إغفالها أيضاً.

لم يكن التوجّه الأوّلي في تجارب المسلمين في كل بلد أوروبي على حدّة متعلقاً بإقامة المؤسسات بصورتها الحديثة، وإنما بإيجاد ما يلبِّي الاحتياجات الدينية والتعليمية الأساسية، كالمساجد (غالباً بمواصفات متواضعة) والمصلّيات ومدارس نهاية الأسبوع لتعليم القرآن الكريم والدين الإسلامي، علاوة على فرص الحصول على اللحم الحلال. لكن مع الزيادة العددية التي طرأت على الوجود المسلم، وكذلك مع التجذّر الزمني وتعمّق حضور المسلمين في واقع البلدان الأوروبية كلّ على حدة؛ تبلوَر الاتجاه إلى إقامة المراكز الإسلامية الجامعة والمساجد الكبيرة ذات المواصفات اللائقة، وكذلك المدارس الإسلامية (خاصة للمراحل الابتدائية والمتوسطة). وقد غلب العامل المحلِّي على هذه التجارب، أي لم تتبلور في غضون ذلك فرص فعلية للتكامل والتواصل بين مسلمي أوروبا.

ومع نهاية الثمانينيات وحتى أواسط التسعينيات من القرن العشرين، طرأ تحوّل ملموس في واقع المسلمين في عدد من بلدان أوروبا، باتجاه “المأسَسة”، أي إقامة المؤسسات التي جاءت غالباً جامعة في اهتماماتها وميادين عملها، كما تبلوَرت شيئاً فشيئاً بعض المؤسسات التخصصية، وظهر الاتجاه نحو إيجاد أطر مؤسسية للمسلمين في أوروبا تتجاوز النطاق القُطري. وفي واقع الأمر؛ فإنّ هذا الاتجاه برز مع تعزّز إرادة الاستقرار والتوّجه نحو “توطين” الحضور المسلم في أوروبا، والنظرة الجديدة إلى هذا الحضور باعتباره مستقراً ودائماً وليس عارضاً ومؤقتاً. والحقيقة أنّ هذا التحوّل كان في النظرة والإدراك، أمّا الواقع فكان يتّجه بالفعل إلى الاستقرار مع نشوء ثلاثة أجيال من المسلمين في بلدان أوروبية لم تعرف وجوداً تاريخياً للمسلمين فيها. ولعلّ ما يلفت الانتباه في هذا الصدد؛ أنّ مرحلة التحوّل تلك تجسّدت في أوروبا الغربية، بينما شهدت أوروبا الشرقية تحوّلاً من نمط آخر للوجود المسلم (التاريخي غالباً) فيها، بحضوره الجديد بعد تلاشي الحقبة الشيوعية، وبالتالي تمّ تجديد الحضور المسلم في عدد من بلدان شرق أوروبا خلال ذلك رغم ما شهدته تلك المرحلة من حروب وأزمات طاحنة كان المسلمون أبرز ضحاياها.

يمكننا الإشارة إلى أنّ نشأة “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا” (FIOE) في أواخر الثمانينيات، هو التعبير الأبرز عن الاتجاه نحو إيجاد أطر مؤسسية للمسلمين في أوروبا تتجاوز النطاق القُطري. كما أنّ إقامة “الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية” (في شاتوشينون بفرنسا أولاً وفي مراكزها الإضافية بباريس وويلز لاحقاً) هو نموذج على الاتجاه نحو إقامة المؤسسات التخصصية الإسلامية ذات الحضور الأوروبي.

لقد شهد عقد التسعينيات وما تلاه تطوّراً كبيراً في توجّهات الاستقرار والمواطنة ضمن واقع مسلمي أوروبا، وقد ترافق ذلك مع تعزّز الاتجاه نحو التواصل والتنسيق والتعاون على امتداد الوجود المسلم في القارة الأوروبية. ومن الملاحظ أنّ ذلك قد تماشى مع توجّه المسلمين في كل بلد أوروبي على حدة لتشكيل مؤسسات تعبِّر عنهم تكون ذات صفة تمثيلية. ففي بريطانيا على سبيل المثال نشأ “المجلس الإسلامي البريطاني” (MCB) في أواخر 1996 وبدايات 1997، وهو مظلة مؤسسية مثّلت في حينه تجربة غير مسبوقة في جمع كلمة المسلمين وتنسيق مواقفهم والتعبير عنهم أمام الدولة والمجتمع والإعلام. لكنّ التجارب التمثيلية أو التنسيقية، التي نشأت في واقع الوجود المسلم في هذا البلد أو ذاك، تفاوتت في مدى نجاحها وتماسكها، وتباينت في قدرتها التمثيلية وقابليتها للتعبير عن الواقع الفعلي للمسلمين ومصالحهم، وهو ما يعود على أي حال إلى عوامل ذاتيّة وموضوعيّة عدّة تقتضي الدراسة والتحليل باستفاضة في مقام آخر.

مع ذلك؛ فإنّ هناك تجارب ناجحة وفاعلة، لا يمكن إغفالها، منها قيام مؤسسات إسلامية أوروبية تخصصية أو قطاعية، نذكر من بينها “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” (ECFR) ومقرّه دبلن (تأسّس عام 1997)، و”اتحاد المنظمات الطلابية والشبابية الأوروبية المسلمة” (FEMYSO) ومقرّه بروكسيل (تأسّس عام 1998)، و”المنتدى الأوروبي للمرأة المسلمة” (EFMW)، ومقرّه بروكسيل (تأسّس عام 2006)، وغيرها من الأطر.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؛ بل شهد الوجود المسلم في أوروبا تطوّراً في اتجاه التواصل والتعاون والتنسيق، عبر مظاهر عدة تضاف إلى ما سبقت الإشارة إليه، مثل:

– عقد المؤتمرات والندوات الجامعة التي تناقش مسائل بعينها من بين الاهتمامات والقضايا المشتركة لمسلمي أوروبا، ومن أمثلتها “ندوة التربية الإسلامية للأبناء في أوروبا” المنعقدة في جنيف في حزيران/ يونيو 2001، و”مؤتمر الأئمة في أوروبا” المنعقد في فيينا في نيسان/ أبريل 2006، ومؤتمر “المسلمون والمشاركة السياسية في أوروبا” المنعقد في اسطنبول في تموز/ يوليو 2006، وغيرها كثير من المؤتمرات والندوات. ولا يتعلّق الأمر هنا فقط بالبحوث والمداولات التي تتضمّنها تلك المؤتمرات والندوات؛ وإنما كذلك بما يتخلّلها من فرص للتواصل والتنسيق والتعاون بين النخب المسلمة في أوروبا ومسؤولي المؤسسات الإسلامية وممثليها. كما يُشار هنا باهتمام إلى صدور بيانات وإعلانات مشتركة.

– صدور “ميثاق المسلمين في أوروبا” (Muslims of Europe Charter)، في عام 2006. فهذا الميثاق مُعتَمد من قبل مئات المؤسسات الإسلامية في عموم القارة الأوروبية، بما فيها كبريات المنظمات على الصعيد الأوروبي المركزي، والتي تدير المئات، بل آلاف، المساجد والمصليات والمراكز الإسلامية في أرجاء القارّة. وحسب ما ورد في مقدِّمة ميثاق المسلمين في أوروبا؛ فإنه منذ مطلع سنة 2000، تداول “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا لوضع ميثاق للمسلمين في أوروبا، يحدِّد منطلقات عامة للفهم الإسلامي، ويبيِّن قواعد لاندماج المسلمين في المجتمع في إطار المواطنة. وقد شكّل الاتحاد لجنة لإعداد المشروع، الذي تمّت مناقشته في مؤسّساته القيادية، ثم عُرِض المشروعُ على العديد من الهيئات الإسلامية الأوروبية، التي اجتمع مندوبون عنها في ندوة جامعة بمدينة بروكسل في كانون الثاني/ يناير 2002، ثم وقع تعميم المشروع على أكبر عدد ممكن من المؤسسات الإسلامية الأوروبية التي لم يتيسّر لها حضور ندوة بروكسل لإبداء ملاحظاتها واقتراحاتها. وبعد اعتماد التعديلات وإدراجها، تم التوصل إلى الصيغة النهائية للميثاق بصورته الحاضرة، ووقّعت عليه مؤسسات في 28 قطراً أوروبياً، في ما ظلّ التوقيع على الميثاق مفتوحاً لكل المؤسسات التي تقرِّر اعتماده.

وبهذا نستطيع أن نتعرف على مرحـلة النشـأة (من أواسط القرن العشرين وحتى الثمانينيات منه)، وقد اتسم الوجود المسلم الأوروبي خلالها بطابعه المحلِّي وعدم توفّر فرص فعلية أو آفاق مرئيّة لإنضاج تجربة تعاون وتنسيق على مستوى الوجود المسلم الحديث في أوروبا؛ الذي كان وقتها ما زال يخطو خطواته الأولى ومنشغلاً بالاحتياجات والمتطلبات الأساسية التي ترافق أطوار النشوء والتشكّل. ثم جاءت مرحلة التحوّل (مع نهاية الثمانينيات وحتى أواسط التسعينيات من القرن العشرين)، وهو تحوّل كان ملموساً في واقع المسلمين في عدد من بلدان أوروبا، باتجاه الدخول إلى تجربة “المأسَسة” في الواقع المحلي، مع ظهور الاتجاه نحو إيجاد أُطُر مؤسسية للمسلمين في أوروبا تتجاوز النطاق القُطري، وذلك بالتلازم مع تعزّز إرادة الاستقرار والتوّجه نحو “توطين” الحضور المسلم في أوروبا.ثم جاءت مرحلـة التَبلْـوُر (عقد التسعينيات وما تلاه)، لتكون امتداداً لمرحلة التحوّل وتداخلاً معها من الناحية الزمنية. وقد شهدت هذه المرحلة تطوّراً كبيراً في توجّهات الاستقرار والمواطنة ضمن واقع مسلمي أوروبا، وقد ترافق ذلك مع تعزّز الاتجاه نحو التواصل والتنسيق والتعاون على امتداد الوجود المسلم في القارة الأوروبية. لقد نما الوعي في أوساط مسلمي أوروبا بوجود خصوصية مشتركة أو بوحدة الحال وبضرورات التلاقي والتنسيق والتعاون، وكذلك بأهمية تعزيز التوجه المنفتح على النسيج المجتمعي في بلدان أوروبا. وبهذا؛ تنفتح هذه المرحلة على آفاق جديدة لنمو تجارب الوجود المسلم على الصعيد الأوروبي، وهي آفاق لها فرص وهناك ما يشجعها، ولكن تحفّها بالمقابل كثير من الصعوبات والتحديات.

الأسرة المسلمة في أوروبا بين تأثيرات البيئة الاجتماعية والعادات الموروثة

الدكتور أحمد جاء بالله

إنّ من المسلّمات الثابتة المُتفق عليها بين جميع الناس، على مرّ العصور واختلاف البيئات وتبايُن المعتقدات والثقافات، أنّ الأسرة تُعتبر حجر الزاوية في بناء أيِّ مجتمع بشري، وأنه بناء على ذلك، لابد من حفظ كيانها ودعم أسسها، من أجل تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وضمان التوازن النفسي للفرد في جميع مراحل حياته.

وتأكيداً لمكانة الأسرة وأهميتها، قام المنهج الإسلامي بتوفير كلِّ الضمانات التي من شأنها أن تبني الأسرة على أسس متينة، وأن تضمن استقرارها وتأثيرها الإيجابي في مسيرة المجتمع ككلّ.

وإنّ الناظر في أوضاع المسلمين في أوروبا، وفي الغرب عموماً، وما يحتاجونه من الأسباب الضرورية للحفاظ على هويّتهم الإسلامية، يُدرِك أنّ من أهمّ الأولويات التي يجب أن تتّجه إليها الجهود، هي العناية بالأسرة المسلمة والعمل على رعاية خصوصيّاتها عبر الأجيال المتلاحقة.

وإنّ ممّا يؤكد ضرورة العناية بالأسرة المسلمة في أوروبا أمور منها:

ـ إنّ الأسرة المسلمة تُعتبر المحضن الأول لتربية الأبناء تربيةً إسلامية، بل إنه يقع على عاتقها في البيئة الغربية، الدور الأكبر في هذا المجال، لأنها لا تجد دعماً لدورها من المجتمع المحيط، بمؤسّساته التربوية والثقافية، بل تعترضها من التحدِّيات في البيئة الاجتماعية ما يزيد من تعقيد دورها ووظيفتها، فكيف تستطيع الأسرة المسلمة أن تورِّث رصيدها من المبادئ والقِيَم الإسلامية للأجيال الجديدة من الأبناء، دون أن تعزلهم عن مجتمعهم الذي يعيشون فيه وينتمون إليه؟ وكيف يمكن للأسرة أن تنجح في إقامة المعادلة القائمة على الحفاظ على الهوية مع النجاح في عملية الاندماج الإيجابي لأبنائنا في مجتمعاتهم؟

ـ إنّ حداثة الوجود الإسلامي في أوروبا عموماً، وضعف إمكانياته ومحدودية مؤسساته التربوية والدعوية، يكاد يجعل الأسرة المسلمة موكولة إلى نفسها في القيام بدورها التربوي.

ومع أنّ للمؤسسات الإسلامية محاولات عدّة في العناية بالنشء، إلاّ أنّ هذه الجهود لا تزال محدودة وينقصها في كثير من الأحيان الاحتراف والتخصّص، كما أنها لا تغطِّي إلاّ دائرة صغيرة من عموم المسلمين، في حين أنّ الحاجة تقتضي أن يتوسّع الاهتمام ليشمل أكبر عدد ممكن من المسلمين وأبنائهم.

ـ إنّ الأسرة المسلمة في أوروبا تعيش اليوم مرحلة انتقالية تحتاج فيها إلى دعم وتوجيه، فالجيل الأول من المهاجرين المسلمين الذين قَدِموا إلى المجتمعات الأوروبية واستقرّوا فيها، اصطحبوا معهم تراثاً تربوياً وعادات اجتماعية، كانت هي منطلقهم في تربية أبنائهم، وهم لا يملكون غير ذلك الرصيد الذي جاؤوا به. وكونهم يعيشون في الغالب في معزل عن المجتمع، ويجهلون الكثير من أعرافه وعاداته، فإن ذلك ولّد لديهم حالة من الخوف على أبنائهم من أن يفقدوا خصوصيّاتهم الدينية والثقافية، فتجدهم في حالة من التهيّب الدائم للدفاع عن أنفسهم من عوامل التأثير الخارجية، ولكنّ أبناءهم، الذين التحقوا بالمدارس العامة واحتكّوا بالمجتمع عن قُرب، لا يجدون أنفسهم في الموقف نفسه الذي عليه آباؤهم. ومن هنا تنشأ كثير من الإشكاليات بين حرص الأسرة على ما تعتبره ضوابط ضرورية لحماية الأبناء، وبين البحث عن التوازن لدى هؤلاء الأبناء، وهم يحاولون التوفيق بين ولائهم للأسرة وقيمها، وبين انتمائهم للمجتمع ومقتضيات ذلك.

ومن مظاهر المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها الأسرة المسلمة اليوم، أنّ أبناء الأمس وبناته أصبحوا آباء وأمّهات اليوم، وهم مدعوّون بدورهم إلى تربية أبنائهم تربية إسلامية، ولكنّ هذه التربية ستكون مختلفة في بعض مضامينها وأساليبها، عمّا تربَّوْا عليه، سيكون هؤلاء بلا شكّ أقدر من آبائهم وأمّهاتهم على فهم نفسيات أبنائهم وطبيعة التحدِّيات التي تواجههم في الواقع، غير أنّ أغلبهم لا يملك رصيداً كافياً من الثقافة الإسلامية التي يحتاج إليها أبناؤهم. إنّ هذا الوضع الذي عليه الأسرة المسلمة في أوروبا يقتضي توفير عناية مزدوجة تتجه إلى الجيل الأوّل من الآباء لمساعدتهم على حُسن القيام بوظيفتهم التربوية، وإلى الجيل الثاني من الآباء بتهيئة الأجواء والمضامين التربوية اللازمة التي تُعينهم على أداء دورهم التربوي.

إنّ التجربة التي تمرّ بها الأسرة المسلمة في أوروبا اليوم في مجال تربية الأبناء، سوف تؤسِّس لنموذج أو نماذج تربوية جديدة تعطي للأسرة المسلمة الأوروبية شخصيّتها المتميِّزة، وذلك من خلال إقامة التوازن الضروري بين مقتضيات الولاء الإسلامي ومقتضيات الاندماج الاجتماعي.

إنّ نظرتنا إلى حاضر الأسرة المسلمة في أوروبا وإلى مستقبلها يستوجب منّا، لحسن تسديد الحاضر وإعداد المستقبل، أن نعتني بفهم واقعها واستيعاب إشكاليتها، من خلال بُعديْن اثنيْن:

أوّلاً: تأثيرات البيئة الاجتماعية، بما تحمله من عوامل إيجابية وأخرى سلبية، والتي ستترك حتماً بصماتها في تشكيل شخصيّة المسلم الأوروبي. والسؤال المطروح في هذا المجال هو: كيف يمكننا أن نفيد أبناءنا من العوامل الإيجابية للبيئة ونحصّنهم من تأثيراتها السلبية؟.

ولن يكون ذلك ممكناً إلاّ إذا كنّا على إطلاع ودراية بالوضع الاجتماعي العام، وما يشهده من تطوّرات وتحولات، في ما يتّصل بموضوع الأسرة بشكل عام ومكانتها في المجتمعات الأوروبية المعاصرة. ولن نجد صعوبة في تحصيل هذا الفهم لوفرة ما هو منشور من الدراسات والبحوث العلمية التفصيلية في هذا الميدان.

ثانياً: المفاهيم التربوية والعادات الأسرية التي حاول الآباء نقلها إلى أبنائهم، وهذه المفاهيم والعادات ليست كلّها مبنيّة على خلفية إسلامية، بل إنّ بعضها قد يكون منافياً للإسلام وإن نُسِبت إليه، فكيف نستطيع أن نميِّز لدى أجيالنا الجديدة بين ما هو عائد إلى أسس الإسلام وأحكامه، وبين ما هو عادات موروثة لا سند لها من الدين؟ هذا الذي يجب أن نعمل على بيانه حتى لا نضطرّ كثيراً من أبنائنا إلى الثورة على عادات خاطئة تُقَدَّم لهم على أنها من الإسلام فيرفضونها ومن خلال ذلك يتنكّرون لدينهم. فعندما يلجأ الأب المسلم مثلاً إلى إكراه ابنته على الزواج ويؤيِّد تصرّفه هذا بأنّ ذلك من حقِّه الذي كفله له الإسلام باعتباره وليّها، فإنّ هذا يجعلها، وهي ترفض هذا السلوك، ربّما تقف موقفاً سلبياً من الدين ككلّ، خصوصاً مع ما يُروَّج في المجتمع من أفكار سلبية بحق الإسلام والمسلمين وطبيعة تعاملهم مع المرأة.

استنتاجات وتوصيات:

إنّ ضرورة العناية بالأسرة المسلمة لما لها من دور هامّ في حفظ الوجود الإسلامي في أوروبا، يقتضي الاهتمام بمجموعة من الجوانب وفق نظرة شاملة تتجاوز التناول الجزئي للمسائل، المنقطع عن مراعاة خصوصيّات البيئة الأوروبية وانعكاساتها على الأسرة المسلمة.

وممّا يجب أن تتجه إليه عناية المسلمين أفراداً وهيئات ومؤسسات ما يلي:

1- القيام بالدراسات الاجتماعية التي ترصد واقع الأسرة المسلمة في أوروبا وما تشهده من تحولات وتطوّرات وما تعاني منه صعوبات وإشكالات، ليكون ذلك مساعداً على تحصينها وتقوية كيانها، لتؤدِّي دورها في التربية والتوجيه للأجيال الناشئة.

ويمكن توجيه بعض الدارسين والباحثين المتخصِّصين للقيام بهذه الدراسات، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات بحثية متخصِّصة في هذا الميدان.

2- إعادة الاعتبار للمرأة المسلمة في محيطنا الإسلامي وذلك من خلال:

أ ـ تنقية تراثنا ممّا داخله من الأفكار الخاطئة التي تحطّ من مكانة المرأة وتُسيء إليها.

ب ـ التنبيه على العادات المخالفة للإسلام وإنكارها حتى لا تكون حجّة لمن يتبعها فيقع في الإساءة للإسلام جهلاً به، أو من يرتكز على هذه العادات لينال من الإسلام بغير حقّ.

جـ ـ إعطاء المرأة مكانها اللائق في المؤسسات الإسلامية، والثقة بجهودها وعطائها حتى تُظهِر شخصيّتها وتردّ بنفسها على المُغرِضين الذين يريدون إثبات دونيّتها وعجزها.

3- التركيز في تعليم أبنائنا وشبابنا وتربيتهم على أهمِّيّة الأسرة، وعلى العناية بأمر الزواج وبيان أهدافه وآدابه ومراحله.

ولا يكفي في هذا الأمر التوجيه العام، بل لابد من عقد دورات تدريبية متخصِّصة للشباب المُقبلين على الزواج ـ ذكوراً وإناثاً ـ من أجل توعيتهم بأهمية الزواج وأحكامه، وكذلك بجوانب التعامل في إطار الأسرة، وأن تجمع هذه الدورات بين المسائل الشرعية والدراسات التربوية والنفسية، وأن يتصدّى لهذا أهل الاختصاص في هذه المجالات المختلفة، ويمكن أن تنشأ مؤسسات متخصصة تعمل في هذه الإطار.

4ـ العناية باحتفالات الزواج، ليكون الزواج حدثاً مهمّاً في حياة الشابّ والشابة، وإحياء سنّة إعلان الزواج في المساجد لربطه بالبُعد الديني.

ولم لا يكون للمسلمين مراسم خاصّة بالزواج يقيمونها في المساجد أو المراكز الإسلامية، خصوصاً وأنّ الطوائف الدينية الأخرى تعتني بهذا الجانب، فنجد أنّ الكنيسة تقيم احتفالاً دينياً للزوجيْن الراغبيْن في ذلك، وتتبع في ذلك مراسم معلومة، مع أنّ العقد يجري في الدوائر المدنية ولكن ذلك لا يمنعهم بعد إجراء العقد المدني من إعلان الزواج وإقامة الاحتفال الديني في الكنيسة.

ويتأكد مثل هذا الأمر في ظل مجتمعات علمانية لا تُعطي للمراسم الدينية مجالاً خارج المؤسسات الدينية.

5- توجيه المسلمين لتأسيس مؤسّسات اجتماعية تستقبل من يعانون من المشكلات الأسرية وتساعدهم على حلِّها في إطار القيم الإسلامية، وبسبب غياب مثل هذه المؤسسات تحصل كثير من الإشكالات، ينشأ عنها نزع أولاد من أسرهم ووضعهم في أسر مضيفة إلى غير ذلك من المشكلات.

6- توجيه المسلمين إلى تأسيس هيئات تحكيمية في إطار قوانين البلاد الأوروبية لتتدخّل عند حصول المشكلات الزوجية بغرض الإصلاح والتوفيق قبل اللجوء إلى القضاء، ولابد أن يتصدّى لهذا من تكون لهم دراية بالجوانب الشرعية والقانونية والنفسية، وقد أوصى “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” بذلك، ولكنّ الأمر يحتاج إلى القيام بخطوات تنفيذية في هذا المجال.

7- مراعاة من يتصدّى للإفتاء من الهيئات والأفراد في شؤون الأسرة المسلمة في أوروبا، النظرة الشاملة إلى المسائل المعروضة قبل إصدار الفتوى بشأنها، وذلك من خلال حسن الاستيعاب لما هو معروض، وفهم الجوانب الواقعية والاجتماعية والقانونية مع اعتبار المآلات في ما يصدر من آراء وفتاوى، واستصحاب المقاصد العامّة الرامية إلى حفظ الأسرة وتقرير مكانة المرأة وكرامتها.

8- العناية بالدراسات المقارنة في موضوع الأسرة، وتأسيس خطاب إسلامي يتوجّه إلى الرأي العام الغربي ليوضح موقف الإسلام في هذا المجال وينفي عنه الشُّبَه الباطلة، ويقدِّم إسهاماته في إعادة التوازن للأسرة الإنسانية بشكل عام.

* هذا التقرير مستقى من دراسة للأستاذ الدكتور أحمد جاء بالله، بعنوان “الأسرة المسلمة في أوروبا ـ بين تأثيرات البيئة الاجتماعية والعادات الموروثة”

إضـاءات حـول الحـوار

الأستاذ أحمد الراوي

لا شكّ أنّ الحوار هو “عملية” ذات طابع تفاعلي، أي أنها ليست شأناً أحادياً الاتجاه، بل تقوم على أخذ وعطاء؛ تأثير وتأثر؛ إرسال واستقبال؛ بلاغ وردّ فعل. والحوار هو كذلك عملية متأثرة بالاستجابات الناجمة عنها، لا تنفصم عن مؤثرات الظرف الآني والخصوصية البيئية والواقع القائم.

ولا يكون الحوار لفظياً فقط. إذ يخطئ من يظنّ أنّ الحوار يقتصر على آلياته اللفظية فقط. ذلك أنّ الحوار له آليات وأدوات وكيفيات شتى، منها ما هو لفظي، لكن منها ما يجري عبر آليات وأدوات وكيفيات غير لفظية، بل قد لا تكون ملحوظة للوهلة الأولى. إنّ ما يسمى بـ”لغة الجسد” قد تفوق في تأثيرها منطوق اللسان أحياناً، وإنّ المرء ليجد فيضاً من الإشارات فائقة الدلالة على ذلك في آي القرآن الكريم وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

والثابتُ أنّ الناس يتحاورون كذلك في حياتهم اليومية بأدوات خطاب وتواصل شتى، كلغة الإشارة من سلام وتحية وترحيب، ولو كان ذلك بدون مفردات لفظية. وممثلو الدول يتحاورون ويتوادّون أو حتى يتخاصمون ويشتبكون بوسائل شتى، منها رفع الأعلام المتجاورة للدلالة على التقارب، أو إحراقها للدلالة على الغضب أو التهديد أو حتى إعلان الحرب.

ويخطئ من يظنّ أنّ الحوار يكون بين المتوافقين حصراً، بل هو مع المخالفين قد يكون أوجب وأدعى. كما أنّ الحوار لا يهدف إلى ثمرة واحدة هي الاتفاق والتوافق لا غير، بل قد يُرجَى منه دفع المضارّ، وإسماع وجهات النظر، وإقامة الحجة، والمنافحة عن المواقف، والتنبيه إلى المزالق والمخاطر، والوصول إلى قواسم مشتركة، أو تسكين الخصومات وتحييد العداوات، أو غير ذلك من المقاصد والمرامي المتوخاة.

بل إنّ الحوار يقتضي التأثير في التوازنات الداخلية للدائرة الأخرى باتجاه الاعتدال، وهو يسعى إلى تعزيز كفة التواصل والتفاهم.

ومن البدهي أنّ التكافؤ شرط من شروط الحوار الناجح، وحتى عندما لا يتحقق التكافؤ المادي أو العلمي أو التقني أو الاقتصادي بين طرفي الحوار؛ فحَسْبُ عملية الحوار أن تمضي رغم ذلك في حالة من التكافؤ المعنوي والتكافؤ في تقديم المضامين بين أطرافه، كي لا يتحوّل إلى استقطاب لجانب على حساب آخر، أو تعبيراً عن استلاب أكثر منه تعاط متبادل قوامه التأثير والتأثر أو الأخذ والعطاء.

ويمكن إرجاع التشكك الذي يحوم أحياناً لدى بعض الأوساط الإسلامية إزاء موضوع الحوار مع الغرب، إلى واقع الفجوة الحضارية والمدنية الهائلة والخبرات السلبية، بين طرفي الحوار هذين. ومن هنا علينا أن نقرِّر أنّ الحوار المنشود ليس حواراً على أرضية الاستلاب للآخر، والتماهي فيه، أو الرضوخ لإملاءاته المفترضة، أو الذوبان في واقعه. بل هو حوار يتأسس على أرضية الثقة بالذات، والاقتدار على خوض التجربة، كما أنه مسار من مسارات الاستنهاض العام للأمة، بما يقتضيه هذا الاستنهاض من التواصل الواعي والكفؤ مع شتى الدوائر الحضارية والثقافية في هذا العالم، ولا شكّ أنّ الغرب يقع منها موقعاً بارزاً.

لا ريب أنّ نهج الحوار هو مطلب إسلامي أصيل. ولا يغيب عن الأذهان أنّ الإسلام يطرح رسالة سامية للإنسانية، إنها رسالة صلاح وإصلاح، وهي رسالة تنوير وتغيير نحو الأفضل، كما أنها رسالة تطوير تنسجم مع سنن الحياة وحركة الكون، وهو ما يحتاج إلى استنفاذ حَمَلَةِ رسالة الإسلام لفنون المخاطبة والتأثير الحسن لإبلاغ هذه الرسالة “ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”، مع إدراك مكامن سوء الفهم المحتملة التي تقتضي العمل بالوصية النبوية “خاطبوا الناس على قدرِ عقولهم، أتُحِبُّون أن يُكذّبَ اللهُ ورسولُه”.

وإنّ التواصلَ والحوارَ، والإقناعَ والمحاججة؛ إنما ينبغي أن تقومَ في جملتِها على مبدأ التكافؤ، بل وعلى أرضيةٍ من احترامِ الآخر المقابل وعدم التصغير من شأنِه. وموقف الإسلام واضح في هذا المجال، فمثلاً؛ ما أروع ما نستلهمه من المعين القرآني في مجال أدب التواصل مع المخالفين، كما نجد مثلاً في قوله تعالى: (قُل من يرزُقُكم مِنَ السماواتِ والأرضِ قُلِ الله وإنّا أو إياكُم لعلى هُدىً أو في ضَلالٍ مُبينٍ، قل لا تُسألون عمّا أجْرَمْنا ولا نُسألُ عمَّا تعمَلون)، سبأ 24-25.

وهكذا؛ فالرسالةُ إلى “الذات” تتمثل هنا تارةً في وضعِها في سياقِها الإنساني العام بما يقطع الطريق على نزوعها المُتوقّع إلى الاستعلاء، وإلغاء الآخر من الوعي الذاتي، وتتمثل تارةً أخرى في إدراك المقدِّرات الذاتية وإمكاناتها القابلة للتفعيل، بما يقطعُ الطريقَ على التهميش الاختياري للذات أو الشعور بالدونية، وبما يحرِّك أيضاً كوامنَ الفعلِ الحضاري المتألِّق.

ومن شأنِ التكافؤِ بين الأطرافِ الحضارية الفاعلةِ؛ أن يعزِّز إدراكَ واقعِ التنوّع الحضاري والثقافي في عالمنا، والتعاملَ الإيجابي مع حالة التنوّعِ هذه باعتبارها إثراءً للتجربة الإنسانية المشتركة.

إننا نباركُ مساعي المنادين باحترام التنوّع الحضاري والثقافي وحمايته وتعزيزه، ونشدّ في الوقت ذاته على أيدي المحذِّرين من خطورة الأحادية الثقافية التي ترمي إلى صبغِ العالم، بحضاراته وأممه وشعوبه؛ بلونٍ واحد في حالة تعميميةٍ ظاهرة لا يمكن تصوّر نجاحها.

ومقابل ذلك؛ ينبغي أن ندرك أنّ أيسر السبل لتعزيز التنوّع الحضاري والثقافي يتمثل في تحريكِ كوامنِ الفعلِ الحضاريِّ لدى شتى الأطراف، وأرى بصفةٍ خاصّةٍ أنّ الدائرةَ الحضاريةَ الإسلاميةَ عليها أن تقدِّم مشروعَها الحضاريَّ المتجدِّدَ للإنسانيةِ اليوم، بعيداً عن الانكفاء على انتقاد الآخرين وإبراز عيوب مشروعهم الحضاري، بل على أرضية التكامل الحضاري والتواصل مع الآخرين.