رئيس التجمع الإسلامي بألمانيا: هذه رؤيتنا لمواجهة الإسلاموفوبيا

أدار الحوار: هاني صلاح

“الاستنكار، والتنديد، واتخاذ المواقف لا تكفي وحدها لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا… نحتاج إلى عمل سياسي وإعلامي على أسس سليمة ومستمرة.. نحتاج إلى تواصل مع المجتمعات الأوروبية.. نحتاج إلى اهتمام خاص بالأجيال الجديدة للمسلمين.. نحتاج إلى مؤسسات إسلامية قوية وحاضرة في محيطها.. نحتاج إلى التعاون والتواصل مع كل من يساعد ويساهم في الارتقاء بأوضاعنا”.

بهذه الكلمات عكس “سمير فالح”، رئيس التجمع الإسلامي في ألمانيا، رؤيته الخاصة في كيفية مواجهة تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في ألمانيا خاصةً والغرب عامة، وذلك في حواره مع “مرصد الأقليات المسلمة”.

المحور الأول: الخريطة العرقية والدينية

– نود من سيادتكم التفضل بإعطاء إطلالة مختصرة:

أ ـ  حول الخريطة العرقية والدينية التي يتكون منها الشعب الألماني.. ومدى التعايش والتواصل بين مختلف هذه الأعراق، وأيضاً بين مختلف أتباع الديانات…

بلغ تعداد السكان في الجمهورية الفيدرالية لعام 2010 نحو 82 مليون نسمة، وتعتبر ألمانيا أكبر دول الاتحاد الاوربي سكاناً. لكن يعتبر معدل الخصوبة الكلي لديها من أدنى المعدلات في العالم حيث يبلغ 1.38 طفل لكل امرأة.

ويشكل الألمان الأغلبية الساحقة بحوالي 91% من السكان. في حين يشكل المهاجرون نسبة تقارب 9% من السكان، ويقارب عددهم 7.3 مليون نسمة.

في عام  2009، كان 20% من السكان لديهم جذور مهاجرة، وهي أعلى نسبة مسجلة منذ 1945م. وفي 2008 كانت أكبر مجموعة من السكان تنحدر من أصول مهاجرة من تركيا بحوالي 2.5 مليون، ثم الإيطالية بحوالي 776,000، وبعدها البولندية بحوالي 687,000 تقريباً.

يـضمن القانون الأساسي للجمهورية الألمانية حرية الأديان. ولا توجد أقليات دينية مضطهدة رسمياً. وهناك اتفاقيات بين الحكومة الاتحادية والكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية يتلقى بموجبها أبناء هذين المذهبين دروساً دينية في المدارس الحكومية. وتعوض الحكومة هذه الدروس باقتطاع نسبة ضريبية على السكان من أبناء هذه المذاهب. قامت الحكومة الإتحادية بعقد اتفاقيات مماثلة مع أبناء الطائفة اليهودية، عن طريق المجلس المركزي لليهود في ألمانيا.

المسيحية هي أكبر ديانة في ألمانيا بما يزيد عن 52 مليون معتنق (63%) يشكل البروتستانت نسبة 32.3% منهم، بينما يشكل الكاثوليك 31%، الديانة الثانية هي الإسلام مع ما يقارب 5 مليون معتنق (6%)، ثم ياتي بعدها البوذية واليهودية مع حوالي 200,000 معتنق. الهندوسية يبلغ عدد معتنقيها 90,000 والسيخ 75,000. بقية الطوائف لديها من الاتباع 50,000 أو اقل. كما يعتبر حوالي 24.4 مليون ألماني (29.6%) يصنفون لا دينيون.

ب ـ وهل يمكن أيضاً توضيح الخريطة العرقية لمسلمي دولتكم؟

أكثر من نصف مسلمي ألمانيا هم من أصول تركية. كما توضح بيانات الأجانب أن الجماعات الأخرى الكبرى من المسلمين هم منالبوسنة، ثم يأتي بعدهم المسلمون من أصول مغربية،ثم من ايران، ثم من أفغانستان. وبشكل عام فإن 90% من مسلمي ألمانيا ينحدرون من أصول غير عربية.

المحور الثاني: محور الحقوق والحريات

– بشكل عام؛ نود من سيادتكم توضيح الآتي:

أ ـ هل على مدار العقود الأخيرة -على الأقل الـ30 سنة الأخيرة- هناك أي تمييز أو تضييق على الحريات المدنية أو الدينية أو العرقية بين شرائح المجتمع بشكل عام؟

ألمانيا لم يعرف فيها في هذه الفترة نوع من التمييز أو التضييق على الحريات المدنية أو الدينية أو العرقية.

ب ـ وماذا عن المسلمين خلال هذه الفترة -العقود الثلاث الأخيرة- هل يتساوون كمواطنين مع باقي شرائح المجتمع، أم هناك تمييز بحقهم وانقاص من حقوقهم؟

الوجود الإسلامي في ألمانيا في تطور مستمر، وتبعا لذلك استحقاقاته المدنية والقانونية. الدين الاسلامي غير معترف به رسمياً في ألمانيا إلى حد الآن، وهذا ما يحرم المسلمين من بعض الحقوق (مثل التعليم الديني، دعم المؤسسات الدينية…).

ولكن الإمكانيات التي يتيحها المجتمع المدني تعطي مساحة لا بأس بها لممارسة الدين وشعائره. هناك بعض القوانين تشكل تمييزاً ضد المسلمين، مثل منع المحجبات من العمل في الوظيفة، ولكن هذا نفسه قلصت من مداه أحكام قضائية.

– هل ظاهرة الكراهية للإسلام والمسلمين في الغرب هي:

أ ـ مجرد عملية سياسية ونتيجة للتنافس بين الأحزاب السياسية، أم أنها أصبحت جماهيرية؟

ب ـ وإن كانت جماهيرية فما تفسيركم بشأن إقبال إنسان الغرب على الدخول في الإسلام حسب الإعلان الذي رأيته؟

أ ـ ظاهرة الإسلاموفوبيا ظاهرة معقدة، وبطبيعة الظواهر المعقدة فإنه لا يمكن إرجاعها لسبب واحد فقط، وإنما أسبابها متعددة. نعم الحسابات السياسية بين بعض الأحزاب غذت هذه الظاهرة. ولكنها في تقديري لا ترقى لأن تكون ظاهرة جماهيرية. فهناك فئات واسعة من الشعوب الاوروبية ومن مؤسسات المجتمع المدني ومن الاحزاب السياسية أيضا لم تنجر وراء هذه الظاهرة، بل إنها اتخذت منها موقف المعارضة والرفض.

ب ـ أما موضوع إقبال الغربيين على الدخول في الإسلام، فهذا سياق آخر. نعم شهد تطورا وزيادة في السنوات الاخيرة، ولكن أسبابه ودوافعة متعددة ومختلفة. في علاقة بالاسلاموفوبيا يبدو الموضوع نتاج أثر عكسي: الإسلاموفوبيا تتجلى أساسا في الاعلام وهذا يدفع الناس بفعل الفضول الى التعرف على الاسلام وهذا قد ينتهي ببعضهم الى الدخول في الاسلام. يبقى السؤال الأهم: كم من الذين دخلوا الاسلام “حسُن” اسلامهم ولم يتطرفوا يمينا أو شمالا؟

– إلى متى يظل الإنسان الغربي أسير قيود الصهاينة وسيطرتهم على المجتمع الغربي ولا يتحرر منها؟

لا أجد من الموضوعية تعليق كل شيء على شماعة “الصهيونية”. الوجود اليهودي على مر السنين أسس لوضعه في الغرب، أشخاصا ومؤسسات. وهو ولاشك يخدم مصالحه وأجندته… فأخذ له مواقع في الاعلام والسياسة والمال. في هذا الجزء على الوجود الاسلامي أن يحسن من مواقعه ويسعى لتقوية تأثيره ليعدّل الكفة. المساحات والفضاءات المتاحة للتأثير ليست بالقليلة وعلينا العمل على تعزيز تواجدنا فيها لإيجاد التوازن.

– ما هي الأسباب الحقيقية وراء تصاعد ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في الغرب؟

ظاهرة العداء للإسلام أو الإسلاموفوبيا ظاهرة معقدة كما ذكرت، ولكن أهم أسبابها يمكن تصنيفها إلى نوعين:

الأول: أيديولوجي بمعنى أن هناك كرها معلّلا فكريا وأيديولوجيا للإسلام، بل وحتى لكل دين.

الثاني: ردة فعل على أوضاع وأفعال وأقوال المسلمين أو من يهتم بشأن المسلمين، والاعلام يصدّق ذلك أو يكذّبه، يضخم منه أو يحجمه… والحالة الأولى هي الاقرب والاوسع انتشارا.

– لماذا يشعر المسلمون في الغرب دائما بأنهم موضع اتهام، ولماذا هم مجبورون على تبرئة أنفسهم بعد أية اعتداءات إرهابية يشهدها الغرب؟

سؤال مهم، وهو مصداق لما نشعر به كمسلمين في الغرب، أفرادا ومؤسسات. فكلما ضرب الارهاب وجدنا أنفسنا في جدل، هل نصدر موقفا وبيانا أم لا؟ لاشك أن هناك جانبا من ردة الفعل ودفع التهمة في مثل هذه المواقف، ولكن حيثيات مثل هذه الاحداث تفرض في بعض الاحيان اتخاذ مثل هذه الخطوات، وتفصيل ذلك:

أولاً: الإعلام يحشر الاسلام من حيث يشعر أو لا يشعر في مثل هذه الاحداث.

ثانياً: منفذو هذه الاعتداءات الارهابية يستعملون رمزية (قول “الله أكبر”، رفع المصحف…) توحي بتمثيلهم للاسلام.

ثالثا: للأسف ما زال هناك من عموم المسلمين من ينساق وراء العواطف ويؤيد مثل هذه الأعمال.

رابعاً: علاقة المؤسسات الاسلامية في الغرب بمؤسسات المجتمع المدني وبالسياسة تفرض نوعاً من التعامل على أساس الوضوح في المواقف.

لمثل هذه الاعتبارات والحيثيات وغيرها ننتهي غالبا من مثل هذه الحوارات الى اصدار المواقف والبيانات لتوضيح الموقف وليس بالضرورة دفع التهمة.

– من يتحمل المسؤولية عن تلك النظرة المخطئة لدى معظم الغرب عن الإسلام والمسلمين؟ وما هو دور الجاليات المسلمة في الغرب ومؤسساتهم في تصحيح صورة الإسلام؟

للإنصاف لا نعمّم القول بأن هناك نظرة مخطئة لدى معظم الغرب عن الاسلام، وإنما هو تدافع… هناك نظرة سلبية خاطئة وهناك نظرة منصفة وإيجابية. هذا وذاك موجود.

المسؤولية في النظرة السلبية المخطئة يتحمل وزرها المسلمون في جزء منها. الصورة التي تصل الى الآخر عني، أنا المسؤول عنها. قد تغطي الصورة التي تعطيها بعض الفئات من المسلمين عن عموم الصورة عنهم ولكن هذا لا ينفي عنهم المسؤولية. الآخر له امكانيات هائلة مثل وسائل الاعلام المختلفة، ولكن هذا لا يبرر التخلي عن المسؤولية.

أما دور “الجاليات”، وهنا أشير إلى أنني لا أحبذ هذا المصطلح واستعمل عوضا عنه مصطلح “الوجود” الإسلامي، ذلك أن الأول يحيل إلى عدم الاستقرار وعلى الظرفية، والمسلمون قد تجاوزوا ذلك. دور هذا “الوجود الإسلامي” في رأيي يجب أن يخرج أولا من حالة الدفاع وردة الفعل ليؤسس لعمل متواصل يهدف الى ترسيخ صور الاعتدال والمشاركة المجتمعية على مختلف الاصعدة ليضمن مكانته ودوره الأصيل ويبتعد عن الادوار الهامشية. الاجيال الجديدة للمسلمين قادرة على القيام بمثل هذه الادوار وقد بدأت بعد.

– ما هو مصير الحريات الشخصية والدينية لمسلمي الغرب مع تصاعد وتيرة العداء للإسلام والمسلمين؟

هذه إحدى التحديات الكبرى والمعارك الرئيسية. المسوقون للاسلاموفوبيا يدعون الى اتخاذ قوانين زجرية فيها تضييق على الحريات الدينية والشخصية ويجب على الوجود الاسلامي تقوية دفاعاته في هذا المضمار بإمكانياته الذاتية ولكن أيضا، وهذا مهم، بكسب الشركاء من شخصيات ومؤسسات للمجتمع المدني وأحزاب. هذه المعركة ليست معركة المسلمين فقط وإنما هي معركة المجتمعات الغربية ككل التي انبنت على احترام الحريات الشخصية والدينية. الحديث عن قوانين منع ارتداء الحجاب أو قانون سحب الجنسية من مزدوجي الجنسية وغيرها هي أمثلة صارخة للتضييق على الحريات والتمييز في حق المسلمين.

– أين وصلت جهود المسلمين في الغرب عموما في سعيهم لإدراج “تجريم الإسلاموفوبيا” ضمن المنظومات القانونية في الدول التي يعيشون فيها؟ ولماذا لم يتوصلوا إلى ذلك رغم كثرتهم العددية, وبالمقابل نجد اليهود -على قلتهم- استطاعوا افتكاك قانون معادات السامية؟

 تجريم الإسلاموفوبيا مشغل هام للمسلمين في أوروبا، تصاعدت المطالبة به بتصاعد الاعتداءات على المسلمين أفرادا (اعتداء لفظي ومادي على من تبدو عليهم مظاهر الاسلام وخصوصا النساء المتحجبات) ومؤسسات (حرق أو محاولة حرق المساجد والجمعيات الاسلامية). للأسف لم يدرج إلى حد الآن ضمن المنظومات القانونية في الدول الغربية رغم المناداة المتكررة به. والعمل على هذا الملف لازال قائما وقد تعددت وسائل “التحشيد” له، فعلى سبيل المثال هناك شبكات اوروبية لرصد وتوثيق الاعتداءات على المسلمين ومؤسساتهم لدعم ملف المطالبة بهذا الأمر بالحجة والبرهان.

المقارنة بالوجود اليهودي فيها فوارق، أهمها أن تثبيتهم لقانون معاداة السامية وغيره من القوانين جاء بعد موجة الاضطهاد الكبيرة التي لحقت بهم وجعلتهم في موقع الضحية وقد توفر لهم أنذاك وسائل أخرى للضغط ليس المقام هنا للتفصيل فيها.

للإشارة فإن اتحاد المنظمات الاسلامية في أوروبا انطلق في مبادرة لتأسيس “تحالف أوروبي ضد الاسلاموفوبيا”. هذه المبادرة لازالت في خطواتها الاولى ونجاحها رهين التفاف المؤسسات والمنظمات الاسلامية وغير الاسلامية حولها. كما أنه، أي الاتحاد، أصدر وثيقة حول الاسلاموفوبيا هي موضوع تشاور وتدقيق مع الشركاء في انتظار استوائها على شكلها النهائي.

– ألا ترون أن تصرفات بعض المسلمين أنفسهم ساهمت في تصاعد ظاهرة العداء والتخويف من الإسلام في الغرب؟

صحيح، والأوروبي العادي وبطبيعة جهله بالاسلام لا يفرق بين هذه الافعال والتصرفات وبين الاسلام وعموم المسلمين. أفعال وتصرفات معزولة تستغلها أطراف إعلامية للتسويق لصورة سلبية عن الاسلام والمسلمين لتصبح بذلك الشجرة التي تغطي الغابة. الحاجة للتوعية داخل المسلمين كبيرة، والحاجة للرد على الذين يعممون ولا يفرقون أيضا كبيرة.

– من خلال ماشاهدناه في غضون السنوات الأخيرة وماحملته من أحداث تخويفية من الإسلام في الغرب (شارلي إيبدو,أحداث باريس..), مع توجيه البعض لأصابع الاتهام للوبي الصهيوني بأنه الصانع لتلك الأحداث.. ألا ترون أن حقيقة الصراع هي صراع قوى وأنه لاسبيل للمسلمين للتخلص من كل ذلك ماداموا في الهوان الذي هم فيه؟

كما أسلفت لست من أنصار التفسير “التآمري” للأحداث، لأن من استتباعات ذلك الركون الى البحث عن الراحة والدعة باعتبار أننا لسنا المسؤولون عن الأمر… وحتى وإن صح هذا التحليل فلا تنتظر من الآخر أن يترك لك المواقع. “قل هو من عند أنفسكم”: بالقدر الذي نمتلك أسباب المنعة، بالقدر الذي تكون مواقعنا أفضل وأحسن. الحاجة ماسّة الى توعية المسلمين وتوجيههم لأن يكونوا صالحين ومصلحين، صالحين في أنفسهم ومصلحين لمحيطهم بالمشاركة المجتمعية الهادفة والفعالة. وجوهر هذا فهم صحيح وعميق للاسلام.

– كيف نواجه هذه الاتهامات الباطلة للمسلمين وأحيانا يبدأ من بني جنسنا؟

{ادع إلى سبيلك ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}، أعتبر أن مواجهة الإسلاموفوبيا هو من الدعوة أيضا، وعليه فالأسلوب يحدده المنهج الرباني في الآية. حكمة في العرض والتعامل مع هذه الموجة، ونفس طويل في مواجهة كل المثبطات والمنغصات.

– نرى أن هذا العداء يبدأ من الإعلام سواء كان مرئيا أو مسموعاً.. ما هي الخطوات اللازمة التي يجب أن تتخذ؟

الإعلام أهم مسالك تصريف موجة العداء، وهو وإن ادعى الحرفية، إلا أنهوعبر رمزية الصورة والكلمة يؤجج موجة العداء.. إلا من رحم ربي. وقد أجريت دراسات واستطلاعات تؤكد هذا المنحى. ماذا نحن فاعلون حيال هذا؟ المسلمون لا يملكون وسائل اعلام تبلغ صوتهم ووجهة نظرهم وتعدّل الصورة، ولا أعتقد أن هذا الوضع سيتغير قريبا. في مثل هذه الاوضاع علينا العمل على مسالك بديلة وان كانت أقل تأثيرا، على المؤسسات والجمعيات أن تفتح أبوابها، أن تكثف من التواصل المباشر مع شرائح المجتمع وخصوصا التي لها تأثير، عليها أن تعمل على وسائل الاتصال المتاحة: اليوتوب، الفايسبوك، التويتر، الانترنت… والشباب خصوصا يمكن أن يكون له دور متقدم في هكذا وسائل. هذا طبعا مع ضرورة الانتباه لما يُنشر حتى لا يحصل عكس المرغوب.

– أليس من الأفضل لمعالجة مشكلات المسلمين في الغرب من المنبع تشكيل لوبيات وجماعات ضغط للمسلمين في إطار القوانين الأوروبية وتوجيه الدعم المادي من البلدان العربية والاسلامية لهذه اللوبيات التي تستهدف التأثير في صانع القرار الاوروبي.. بدلاً من توجيه الدعم فقط للأعمال الخيرية والاجتماعية أو بالتوازي معها ?!

هذا لا يغني عن ذاك والأولويات تتقدم وتتأخر حسب الظروف والحيثيات. العمل الخيري والإغاثي مثلا كان لابد أن يكون في المقدمة في ظروف موجات اللجوء التي عاشتها وتعيشها أوروبا.

عمل اللوبيات يتقدم ويثمر حين يكون للمسلمين حضور سياسي وإعلامي أو حضور خارجي عموما، وهذا لايزال ضعيفا من دون بخس بعض التجارب المتقدمة. وعمل اللوبيات ضروري في مجتمع يعمل بهذه الآليات. تقديري أن مسلمي الغرب يحققون خطوات في هذا المجال وان كانت بطيئة. أما توجيه الدعم من البلدان العربية والاسلامية فلا أعتقد أنها في وضع يسمح لها بذلك، فأغلبها يعيش تحديات داخلية كبيرة.

– “إذا نظرنا إلى الأعمال المتطرفة في أوروبا التي تلصق بالمسلمين؛ نجد أن أغلبها يقوم بها شباب لا يمت للإسلام بصلة! لذا علينا توعية وتوجيه الشباب والعناية بهم، وتكثيف دورات وبرامج خاصة بهم، وعلينا في هذه المرحلة أن نتوقف عن بناء المساجد ويوجه الدعم لبناء الشباب”.. كيف تقيمون هذا الطرح؟

بالنظر إلى الأعمال الإرهابية التي تحصل في أوروبا وحتى خارجها، لا يمكن الخروج بصورة نمطية (بروفيل) لمن يقف وراءها، مما يجعل المعالجة أصعب وأعقد. كلهم شباب هذا صحيح، ولكن لكل واحد منهم “قصة”. الاشكال في تقديري مجتمعي، يبدأ من محيط العائلة الى المدرسة والحي والشارع، الى وسائل الاعلام، الى السياسات الداخلية والخارجية للدولة… وعليه فالمعالجات تتوزع على أطراف ومجالات متعددة.

للمسجد وللمؤسسات الاسلامية عموما دور كبير في هذا الجهد، بل إنها شريك رئيسي فيه، وعلى المسلمين وضع هذا في سلم أولياتهم. لكنني اؤكد في الوقت نفسه أن المعالجة لابد أن تكون مشتركة، أنها مشكلة مجتمع ومن الخطأ أن نتصدى لها بمفردنا.

كما أن المعالجة لا يمكن أن تكون بالطرق التقليدية ولا في الاطر التقليدية. نحتاج الى متخصصين في مجال الشباب ونحتاج الى إمكانيات كبيرة، وهي ذات أولوية قصوى في ظروفنا اليوم ولاشك.

– هل تتصورون نجاح جهود المواجهة في ظل ما ترتبه أعباء الأزمات الحالية في العالم الإسلامي؟..

العالم الإسلامي سند أساسي ولا شك، والأزمات التي يمر بها تؤثر سلبا على أوضاع المسلمين في العالم. في المقابل أقدر أن مسلمي الغرب يمكن أن يقوموا بأدوار متقدمة في الأزمة التي يمر بها العالم الاسلامي. مسلمو الغرب هم الجزء “المحرر”، مسلمو الغرب خاضوا ويخوضون تجربة التعايش، مسلمو الغرب اكتسبوا خبرات واسعة… إنهم قادرون -بإذن الله- على الإنجاز رغما عن أعباء الأزمات الحالية.

– وهل الجهد كافٍ أم مطلوب تعاون من الحكومات والمؤسسات المعنية مثل الأزهر والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟..

كلما فتح باب التعاون، كان –ولا-شك- مثمرا، غير أن الظروف الحالية تجعل احتماليته ضعيفة. الحكومات كما أسلفت القول لها من مشاكلها ما يشغلها. والمؤسسات الدينية في العالم العربي والاسلامي بعضها تأثر بهذه الأزمات (الازهر) والبعض الآخر (الاتحاد العالمي) تشغله القضايا الكبرى… الجهد الاكبر هو على المؤسسات الاسلامية في الغرب فهي المعنية مباشرة بالموضوع. وإمكانيات التعاون والتنسيق تبقى مفتوحة وهي ولا شك رافد وسند كلما كانت متاحة.

– وكيف تتصورون مسارات هذا التعاون؟..

مسارات التعاون إن وجدت يجب أن تراعي خصوصيات الوجود الإسلامي في الغرب. بمعنى آخر لا بد من ترك تقدير الأمور الى أهل البلاد والاستجابة لمسارات التعاون والتنسيق حسب الأولويات التي يحددونها. نعاني في بعض الأحيان من بعض الإسقاطات التي وإن كانت تريد الخير إلا أنها ولعدم مراعاتها لبعض الخصوصيات في واقع مسلمي الغرب تؤدي الى نتائج عكسية.

– هل تتصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا، التي يساهم فيها الإعلام الغربي بشكل كبير، بسبب غياب العمل الإسلامي في الميدان الاجتماعي والسياسي والإعلامي،  بحيث الإنسان الغربي لا يعرف عن الإسلام سوى الجرائم المنسوبة إليه ولا يرى واقعاً مُعاشاً ونافعاً وملموساً؟

الانسان عدو ما يجهل، وطالما لم نصل الى كل أو أغلب شرائح المجتمع لنعطيهم صورة عن الاسلام غير الصورة النمطية التي يتداولها الاعلام، فإن الجهد المضاد في تشويه صورة الاسلام سيكون له الأثر الأكبر.

هناك تجارب أثبتت صدقية هذا المعطى: بعض المؤسسات الإسلامية والمساجد بادرت إلى تنظيم حملات للمشاركة المجتمعية كانت من نتائجها الوصول إلى المواطن العادي وتغيير الصورة النمطية لديه عن الإسلام والمسلمين مثل “حملة الجار” التي قام بها التجمع الإسلامي في ألمانيا وحملة “لمسة أمل” التي قامت بها المؤسسات الإسلامية في التشيك… وغيرها من الأمثلة.

لا بد من تكثيف العمل على هذا المنوال.

الذين يقومون بأعمال إرهابية عددهم قليل، ولا يمثلون بحال من الأحوال جمهور الوجود الإسلامي في الغرب، ولكن حماقاتهم هذه تشوش بشكل كبير على الصورة العامة. ولن يتسنى محو هذه الصورة بالبيانات والمواقف فقط، وعلى أهميتها، وإنما يجب النزول الى المجتمع والتواصل معه بشكل مباشر.

– هل عدم النضج وعدم الاستقلالية والعشوائية والنهج غير المؤسساتي في الإدارة إضافة إلى حالات الاستقطاب القطري داخل المراكز الإسلامية في أوروبا يجعلها عاجزة عن مواجهة وإدارة ظاهرة الإسلاموفوبيا؟

هذا جزء من الإشكال، كثير من المراكز والمؤسسات الإسلامية قطعت شوطا في مأسسة عملها والخروج من ضيق القطرية إلى سعة الأوروبية.. لكن مازلنا نحتاج إلى جهود إضافية. التحديات المطروحة على الوجود الإسلامي في الغرب وعلى رأسها الغسلاموفوبيا تحتاج إلى توحيد الجهود وتوضيح الرؤية.

بادرنا في اتحاد المنظمات الاسلامية في أوروبا إلى إطلاق مبادرة لتأسيس “تحالف أوروبي ضد الإسلاموفوبيا”. هذه المبادرة ما زالت في خطواتها الأولى، ونجاحها رهين التفاف المؤسسات والمنظمات الإسلامية وغير الإسلامية حولها.

الإشكالات والتحديات هي نتاج الواقع الأوروبي، وتحتاج إلى إجابات أوروبية، والذي ما زال يتحدث عن مسجد مصري وآخر تونسي وغيره مغربي وهكذا، الذي ما زال يتحدث في هذا المستوى لم يفقه بعدُ حجم التحديات ولم يتبين له السبيل للاجابة على هذه التحديات. أملنا في الله وفي الاجيال الجديدة أن تطرح عنها الموروث السلبي وتفتح لها وللمسلمين آفاق جديدة تساهم في النهوض بواقع المسلمين ومعالجة اشكالياته.

– هل الاستنكار والتنديد ورفض التّهم عند كل جريمة كافية لمواجهة هذه الظاهرة؟

الاستنكار والتنديد واتخاذ المواقف وإصدار البيانات ضرورة سياسية، لكنه لا يكفي وحده لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا. نحتاج إلى عمل سياسي وإعلامي على أسس سليمة ومستمرة، نحتاج إلى تواصل مع المجتمعات الأوروبية، نحتاج إلى اهتمام خاص بالأجيال الجديدة للمسلمين، نحتاج إلى مؤسسات إسلامية قوية وحاضرة في محيطها، نحتاج إلى التعاون والتواصل مع كل من يساعد ويساهم في الارتقاء بأوضاعنا.

آخر الأخبار...

في 8 و9 ديسمبر.. مؤتمر شبابي إسلامي جديد في العاصمة الألمانية

تحت رعاية المؤسسة الشبابية في برلين، وهي إحدى مؤسسات التجمع الإسلامي في ألمانيا، يقام مؤتمر YouCon الخامس من نوعه، وذلك في الفترة ما بين 8 و9 كانون الأول/ديسمبر المقبل. المؤتمر يأتي تحت شعار:  المسلم المسافر.. من …

مواقع تابعة وصديقة

رسائل رئيس الاتحاد

مختارات مصورة

بيانات

إعلانات

حقوق النشر محفظة © اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا